الجمعـــــة, 23 يونيو 2017  الموافق لـ 28. رمضان 1438
حجـــم الخــــط
   

زَكِّ حَيـــاتَك

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أخي المؤمن أختي المؤمنة:

   إن الغاية من وجودنا ومن بعثة كل الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ هو أن نزكي أنفسنا وفق الهدي الأسمى الذي جاءوا به وحيا من الله تعالى، قال عز جل ممتنا علينا ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم}، ونحن إزاء هذه الغاية العظمى مختلفون في الدرجات والمراتب بحسب ما نتوفر عليه من استعدادات وإمكانات، وبحسب ما نمتلك من طموحات ورغبات، والموفق منا من بذل كل ما في وسعه مترقيا في مدارج التزكية، سالكا كل المسالك التي ترشده إليها وتبصره بمجالاتها ومداخلها، مستحضرا دائما وأبدا أن الدنيا بمفاتنها ومباهجها ولذائذها ليست هي كل شيء، وليست هي أرقى ما يطلبه المؤمن ويسعى إلى تحقيقه، فهناك مطالب أخرى نفسية وروحية تمثل جوهر الإنسان ولبه، وعليها المعول في الخلاص والفوز والسعادة.

   ولعل أعظم مدخل من مداخل التزكية؛ هي تلك المرتبطة بالأخوة الدينية التي تجمع بين المؤمنين في تواد وتراحم وتعاطف، وتقوي وشائج القربى في هذه الأمة التي هي أمة التعاون على البر والتقوى.

   إن كل ما شرعه الله تعالى من العبادات يأخذ هذا المنحى ويصب في هذا الاتجاه، فمن صلاة موحدة بين القلوب، إلى صيام مهذب للأرواح، إلى حج يمحو الخطايا والذنوب، إلى زكاة مطهرة للنفوس، ومنمية لمشاريع الخير التي يستفيد منها المجتمع بكل فئاته وأطيافه... إلى ما لا يحصى من النوافل والتطوعات التي تدعم هذا المعنى وتقويه، لتظل الصلة الروحية بيننا فوق كل اعتبار، لا يساوَم عليها، فهي جزء من هويتنا، وهي أزكى ما نربي عليه أنفسنا، ونربي عليه كل الأجيال الصاعدة واللاحقة، تحصينا لأمتنا من كل خطاب يفرق بينها ويشتت وحدتها.


أخي المؤمن أختي المؤمنة:

   إذا كانت كل العبادات – فرائض ونوافل- تنمي فينا الشعور بأخوتنا الدينية، وتقوي مبادئ التماسك والتلاحم التي ينبغي أن تسود بيننا؛ فإن ألصق العبادات بتحقيق هذا المبتغى وأشدها ارتباطا به؛ هي عبادة الزكاة التي جعلها الله تعالى إحدى الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، فهي تربي نفس المؤمن على البذل والعطاء، وتنزهه عن التعلق بالمال والبخل به، وتطهر المجتمع بأكمله من شتى الأمراض التي من شأنها أن تزعزع أمنه واستقراره، وتطهر أيضا اقتصادنا من كل ما يعرقل نموه أو يجعله عاجزا عن توفير الحاجات الضرورية للناس، وكل هذه المعاني نجدها في قول ربنا جل شأنه: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، ومن هنا تأخذ فريضة الزكاة موقعها المتميز في ديننا الحنيف، فهي ليست مجرد جزء من المال يصرف للفقير أو من به حاجة من أهل الفاقة والعوز، بل هي بالإضافة إلى ذلك، ركيزة من الركائز التي تبنى عليها حضارتنا ويتحقق بها وجودنا باعتبارنا ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس.

   وهي بعد هذا وذاك؛ ليست إلا تأكيدا لمبدأ الاستخلاف الذي نص عليه القرآن المجيد في أكثر من آية، فالله سبحانه وتعالى حين أمر بالإنفاق عموما- فرضا ونفلا- قدم الحيثيات المنطقية التي توجب على المؤمنين أن يستجيبوا لهذا الأمر ويعملوا بمقتضاه، مبينا جل شأنه أن المال ماله، والناس – فقط- مستخلفون فيه، ومأمورون بالإنفاق منه على جهة الإلزام بموجب هذا الاستخلاف، قال تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}، وقال جل شأنه: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}، وهذا يقرر أن الأصل في كل ما يُستخلف فيه الإنسان من أموال هو الإنفاق منه وإشراك الآخرين فيه، وأن البخل به وإمساكه مرض زائف وعلة طارئة يجب إزالتها ومعالجتها، فما المال إلا ثمرة طيبة لا يحلو الانتفاع بفوائدها، ولا يستقيم الاستمتاع بمزاياها، إلا إذا نال الآخرون شيئا من كل ذلك؛ وإلا فإن اقتصرت على نفسها فقط، كانت تلك الفوائد والمزايا بعينها هي سبب عفنها وفسادها من بعد، ولله در القائل:

المـال مثل الحصى في يـدنا               فـليس ينفع إلا حين ينتقـل

   إنه لا يعقل أن يستقل الأغنياء بما ملكوا، ويهلك الفقراء الذين قصرت أيديهم عن كسب رزقهم لسبب من الأسباب، ولذلك كان لزاماً أن يتكفل أغنياء المجتمع بفقرائه، والتاريخ البشري بأجمعه ينبئنا بأن هذا من أنبل المشاعر والأحاسيس التي يمكن أن يعيشها الإنسان في هذه الدنيا، فضلا عن كونه من أقوى البواعث الجالبة للحياة الكريمة.

   لقد شرع الله تعالى الزكاة في مال الغني وجعلها حقا وواجبا لكي يستحضر دائما وأبدا أن المال كله لله، فهو خاضع لكل ما يقرره بوصفه المالك الأول، سواء في طريقة تملكه، أو في طريقة تنميته، أو في طريقة إنفاقه.

أخي المؤمن أختي المؤمنة:

   أن تزكي أموالك وتشرك غيرك فيما أنعم الله به عليك؛ يعني أنك تزكي حياتك وتطهرها من كل ما يلوثها من إثم أو معصية، بل وتقدم إسهاما جليلا في مسار تحقيق الأمن الاجتماعي، من خلال تخفيف تكاليف محاربة البطالة، لما يمكن أن توفره الزكاة من فرص عمل وتوظيف كفاية لمن يستحقونها من أفراد المجتمع وسدا لحاجتهم، ومن خلال نزع دواعي الحسد والضغينة من نفوس المحتاجين حين يرون أن خير الأغنياء واصل إليهم، فهي بهذا الاعتبار تعزز التكافل الاجتماعي وتقضي على مظاهر الصراع الطبقي أو تقلل منها.

   كما أنك بإخراجك لزكاة مالك، تُؤَمّنُ على حياتك بعد موتك، وتجعلها في مستقر رحمة الله ودار كرامته، فالله تعالى وعد عباده الذين يؤتون الزكاة وينفقون مما أنعم الله عليهم من أرزاق، بالخُلف العظيم والثواب الجزيل، فهم ممن قال فيهم: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}، وهم ممن شملهم بقوله: {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}، وممن قال في حقهم: {أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}، وممن قال عنهم: {أولئك في جنات مكرمون}، وهم الذين خصهم بقوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}، وبقوله: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ...

   إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحض على الإنفاق وتأمر به على جهة الإلزام أو على جهة الندب والاستحباب، فكل ذلك مقرب من رحمة الله، وموجب لمحبته وكريم عطائه، كيف لا وهو القائل سبحانه في الحديث القدسي الشهير:

{... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، و لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه}.

  وخلاصة القول:

   فإن الزكاة نماء وطهرة وتزكية للمال ولمالكه المستخلف فيه ولآخذه وللمجتمع برمته، وليس الغرض من هذه السطور إلا التذكير بأهميتها وببعض فضائلها على النحو الذي يجلي بعض آثارها ونتائجها، ليبقى ما ينبغي فعله لتحقيق ذلك رهين بكل ما يملكه كل فرد منا من طموحات وتطلعات، وبما يسعى إلى تحقيقه من مكاسب وأرباح  ينتفع بها عند ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

   وإن مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، مستعدة لتكون واسطة خير أمام كل من يرغب في طرق هذا الباب، خاصة في طُرق إنفاقها على الفئات التي تستحقها، فإنه يوجد من بين منخرطيها من القيمين الدينيين من يعيشون في أوضاع اجتماعية صعبة.

   كما أنها جعلت من بين مشاريعها الأساسية، التكفل بأرامل القيمين الدينيين وأيتامهم، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة من أبنائهم، وإنها لكي تقوم بواجبها على أحسن الظروف وأتمها، فإنها تدعو  أهل الإيمان ممن يسر الله عليهم ووسع عليهم في أرزاقهم أن ينخرطوا معها في هذا العمل طاعة لله تعالى وابتغاء مرضاته، وهي مستعدة كذلك أن تشركهم في إنجاز هذا العمل وتنميته وتطويره بما يتفق مع مقاصد الزكاة وأهدافها، لأنها تسعى في نهاية المطاف أن تؤسس لعمل نموذجي يجسد تلك المقاصد والأهداف، يضع في مقدمة اهتماماته تأهيل الفئة المستهدفة من القيمين الدينيين وذويهم لمزاولة حرفة أو مهنة موازية تدر عليهم دخلا قارا يحقق لهم كفايتهم بقية أعمارهم، لأن ديننا الحنيف لا يريد من الزكاة أن تصبح متكئا للكسل والبطالة، بل هي فقط محفز يبعث أصحابه على الانطلاق نحو طلب الرزق، توفيرا لمصادر العيش الكريم.

Khadamate10

أوقـــات الصــــــــــلاة

روابــــط مهــمــــــــــة

Lien1
Lien2
Lien5
Lien3
Lien4
Lien-mm9
FM5
Lien6
karasssi

الـقــــرآن الـمــرتـــــل

quran1
pied-menu122